ابن أبي الحديد

50

شرح نهج البلاغة

قوله ( وأحجم الناس ) ، أي كفوا عن الحرب وجبنوا عن الاقدام ، يقال حجمت فلانا عن كذا أحجمه بالضم ، فأحجم هو ، وهذه اللفظة من النوادر ، كقولهم ( كببته فأكب ) . ويوم مؤتة بالهمز ، ومؤتة أرض معروفة . وقوله ( وأراد من لو شئت لذكرت اسمه ) ، يعنى به نفسه . قوله ( إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي ) إشارة إلى معاوية في الظاهر ، وإلى من تقدم عليه من الخلفاء في الباطن ، والدليل عليه قوله ( التي لا يدلى أحد بمثلها ) ، فأطلق القول اطلاقا عاما مستغرقا لكل الناس أجمعين . ثم قال : ( إلا أن يدعى مدع ما لا أعرفه ، ولا أظن الله يعرفه ) ، أي كل من أدعى خلاف ما ذكرته فهو كاذب ، لأنه لو كان صادقا لكان علي عليه السلام يعرفه لا محالة ، فإذا قال عن نفسه : إن كل دعوة تخالف ما ذكرت فإني لا أعرف صحتها ، فمعناه أنها باطلة . وقوله ( ولا أظن الله يعرفه ) ، فالظن هاهنا بمعنى العلم ، كقوله تعالى : ( ورأي المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ) ( 1 ) ، واخرج هذه الكلمة مخرج قوله تعالى ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) ( 2 ) ، وليس المراد سلب العلم بل العلم بالسلب ، كذلك ليس مراده عليه السلام سلب الظن الذي هو بمعنى العلم ، بل ظن السلب ، أي علم السلب ، أي واعلم أن الله سبحانه يعرف انتفاءه ، وكل ما يعلم الله انتفاءه فليس بثابت . وقال الراوندي : قوله عليه السلام : ( ولا أظن الله يعرفه ) ، مثل قوله تعالى : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) ( 3 ) .

--> ( 1 ) سورة الكهف 53 . ( 2 ) سورة يونس 18 . ( 3 ) سورة محمد 31 .